طباعة
PDF

دوائر النقد وحدوده في مشروع محمد عابد الجابري

الكاتب المجلة.

زهير الخويلدي

" ان الشعوب لا تستعيد في وعيها ولا يمكن أن تستعيد الا تراثها أو ما يتصل به، أما الجانب الانساني العام في التراث البشري كله فهي تعيشه داخل تراثها لا خارجه."[1]

فرضية العمل: اذا كانت العقلنة تفيد الجهد النظري والتجربة الثقافية التي ينخرط فيها شعب بأسره في حقبة معينة وتتميز بتنصيب العقل محكمة للطبيعة والتاريخ والمجتمع واعتباره أداة المعرفة وقضيتها الأساسية وقانون الوجود ومحرك التاريخ ومعبر عن الزمانية ومنظم للعلاقات بين الأفراد ولمستويات الحياة وتعني حسب يرغن هابرماس "تهيؤ الذوات الفردية القادرة على التكلم والعمل للحصول على معرفة قابلة للخطأ... والقدرة التي يمتلكها الأشخاص المنخرطون في المسؤولية والمشاركون في عملية تفاعل اجتماعي على أن يسلكوا ويتوجهوا بدلالة مطالب الصواب والصدقية التي تركز على اعتراف متبادل بين الذوات"[2] وتقاس بمعايير الحقيقة والنجاح و بالطريقة التي تتوجه بها الذات نحو العالم الخارجي فإن مشروع نقد العقل العربي عند محمد عابد الجابري بدوائره الابستيمولوجية والسياسية والأخلاقية واللاهوتية وما لحقها من مناقشات وردود وتعقيب واذا أضفنا اليه مشروع نقد العقل الاسلامي الذي قام به محمد أركون والاسلاميات التطبيقية وقراءته العلمية للتاريخ الاسلامي وتفكيكه الأسيجة المغلقة وتجربة التفكير من زاوية تأويلية للنص الديني التي انخرط فيها ناصر حامد أبي زيد تندرج كلها ضمن مسارات العقلنة التي انخرطت فيها الثقافة العربية منذ البواكير الأولى لتشكيل الملة وأثمرت حيازة العقل في  الاسلام على مقام مرموق.

بيد أن محمد عابد الجابري يختلف عن هؤلاء من جهة كون المنزلة التي يحتلها في عصره يمكن أن تكون قريبة بشكل أو بآخر من منزلة ابن رشد (وبدرجة أقل ابن حزم) من عصره وربما أسباب الشهرة والانتشار بالنسبة للرجلين متماثلة وهي محاولة الجمع بين المرجعيتين التراثية والعلمية، فإذا كانت الفلسفة الرشدية قد عرفت بعقلنة الواقع الحضاري العربي الديني بالعودة الى الفلسفة اليونانية فإن الجابري قد راهن على الفلسفة الغربية حتى يتمكن من التفسير الابستيمولوجي الموضوعي لعلاقة العرب بتراثهم وبعصرهم ويضع مشروعا عقلانيا ديمقراطيا نقديا للمستقبل. كما أن المشروع النقدي لديه لامس العديد من الدوائر والحقول منها المعرفي والايديولوجي والسياسي والأخلاقي الى أن اقترب من بنية العقل نفسه وفحوى النص وفضح عورات الانسان وكشف مكبوتات التاريخ وانجراحات الذاكرة والمخيال.

لكن ما نفترضه أن المشروع النقدى عند الجابري لم يطل جل المجالات ويتضمن مناطق صمت ويسلم بعدة بديهيات  وفرضيات قبلية في حاجة الى نقد ورُسِمت له حدود أُكرِه على عدم تخطيها واحترامها.

علاوة على أن التلقي الساخن الذي قوبلت به كتابات الجابري في مشارق الدنيا ومغاربها يدعونا الى الاستفسار: الى ماذا يمكن ارجاع هذا الجدل؟ وكيف يمكن تفسيره؟ ماهو المنهج الذي استخدمه في قراءة التراث؟ والى أي مدى نجح في تطبيقه واستثماره للوصول الى نتائج علمية باهرة؟ وكيف تراوحت فكرة العقل العربي عنده بين القبول والرفض؟ وماهي الدوائر التي شملها النقد العقلاني والتشخيص الأركيولوجي؟ وألا يحتاج هذا النقد الذي مارسه الجابري هو بدوره الى نقد ومراجعة وتقصي والبحث في شروط امكانها ومجالات صلوحته؟ وهل كان الجابري مفكرا أم فيلسوفا؟ وهل وهو رجل سياسة ومثقف عضوي أم منظر في الشأن التربوي ومصلح أخلاقي؟ ولماذا تحدث عن الضرورات العملية ؟ وما مدى مشروعية الحلول الاستراتيجية التي اقترحها بالنسبة الى الثقافة العربية؟ وهل أكمل الجابري مشروعه ونجح في ترجمته جامعيا ومدنيا أم ظل منقوصا ومبتورا من عدة جوانب؟ والى أي حد وفق في قراءته للقرآن من زاوية أسباب النزول؟ وهل يمكن اعتباره واحد من المفسرين أم المجددين للقراءات التراثية؟

ان مدار النظر ومحك العمل في محاورة الجابري ليس التفكير معه وتبني دعاويه وانما التفكير ضده والوقوف على مواطن القصور وحدود النقد ودوائر اللامعقول في صرحه النظري ومقارباته المنهجية.

1- جدل حول المنهج والتطبيق:

" عناصر الرؤية تستعيد خطوات المنهج، لا بل خطوات المنهج تستوحي عناصر الرؤية"[3]

ان هاجس عابد الجابري الأول هو قراءة التراث وفق رؤية جديدة ويبرر ذلك بأنه لا يمكن أن نطمع في نشر الحداثة والقيام بالتحديث الا بعد حصولنا على معرفة دقيقة وعامة بالتراث واتخاذ مسافة نقدية من سلطته وتأثيره وان المنهج الذي يتبعه يراوح بين التحليل والنقد وبين الحدس الاستشرافي والمقاربة الابستيمولوجية وبين الذهاب الى الموضوع من الذات والذهاب من الموضوع الى الذات ويرى في المنهج الموضوعي متكونا من ثلاثة عناصر هي المعالجة البنوية والتحليل التاريخي واالطرح الايديولوجي.

لقد تشبع الجابري بالمناهج المعاصرة وزار مختلف الأروقة الفكرية والعمارات الفلسفية لزمننا وحاول استخدامها في قراءته للتراث وفي تحليله لأنظمة المعرفة ونقده لسلطة القيم في الثقافة العربية الاسلامية.

"لقد قرأت كانط وقرأت باشلار وقرأت فوكو وقرأت غيرهم من الفلاسفة والكتاب الأوروبيين، كما قرأت ديكارت واسبينوزا وليبنتز ولوك وهيوم وقرأت أفلاطون وأرسطو، وقرأت أيضا وبدرجة أكبر ابن خلدون والغزالي وابن رشد والفارابي وابن سينا والجويني والباقلاني والرازي والطوسي...لا أشعر أني أنتمي الى واحد منهم بالتخصيص، بل أشعر أنني تلميذ لهم جميعا، قد تعلمت منهم جميعا."[4]

فهل هذا يعني ان الجابري يعد من أنصار المناهج المتداخلة والمتضافرة في دراسة الموضوع الواحد أم أنه يبحث عن المنهج النقدي الفلسفي الملائم؟ وما معنى نقد علمي للعقل العربي وقراءة حداثية للتراث تضفي الفهم والمعقولية على المقروء وتجعله معاصرا لنا؟ وهل تفادى بالفعل الوقوع في اللاتاريخية والسلفية؟ والى أي مدى كان منهجه موضوعيا ؟ وما الفرق بين المنهج والرؤية؟ ولماذا يحتاج كل منهج الى رؤية وتحتاج كل رؤية الى منهج؟ هل يتعلق الأمر بمعالجة اجرائية وظيفية أم موضوعية استكشافية؟

لقد أحسن الجابري صنعا حينما ميز بين المنهج والرؤية وقال بتكاملهما وجعل القراءة تتعدد الى قراءات وتقترب من درجة التأويل وترعى وحدة الفكر واستمراره بالرغم تاريخيته وتفصل بين القارئ والمقروء بالرغم من حرصها على تتبع مسار تقدم الوعي وهو يبحث عن الحقيقة والتفتيش عن الامكان التاريخي للتحقق، ولما  طرح أهم الأسئلة التي يمكن صياغتها حول الراهن العربي في علاقته بالآخر وذلك حينما تساءل: كيف نتعامل مع تراثنا؟ وكيف نعيش عصرنا؟ وكيف نحقق ثورتنا؟ كيف نعطي للمقروء معنى في علاقة بمحيطه الاجتماعي والسياسي والفكري وبالنسبة الى القراء المعاصرين؟

ان استعادة المجد الحضاري العربي لا يتم الا عبر احياء التراث ولكن بالتخلي عن الفهم التراثي للتراث والتحول من كائنات تراثية الى كائنات لها تراث وذلك بإعادة بنائه بطرق علمية وبعث الفلسفة الاسلامية من رقادها بالعودة الى الرشدية والاعتزال والاتجاه العلمي الطبيعي والمدونة التنويرية والتمييز بين المحتوى المعرفي والمضمون الايديولوجي فيها والتخلي عن قياس الغائب على الشاهد وثنائية الحكمة والشريعة واحداث قطيعة ابستيمولوجية وتبني رؤية تثويرية تكتسب المقوم الذاتي للتقدم الاجتماعي.

" ان الفلسفة العربية  الاسلامية في المشرق كانت لاهوتية الايبيستيمي والاتجاه، بسبب استغراقها في اشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة، وان الفلسفة العربية في المغرب والأندلس كانت، ومع ابن باجة خاصة، علمية الايبيستيمي علمانية الاتجاه بفعل تحررها من تلك الاشكالية..."[5]

هل هذا التباين هو اعتراف بالخصوصية بالنسبة لكل من المشرق والمغرب أم حكم مسبق استشراقي يعتبر الشرق خيالي عاطفي ديني والغرب عقلاني طبيعي مادي؟ وما العمل أمام فكر معاصر ما فوق بنيوي وما بعد ايديولوجي وانفرط الحبل الذي يربطه بالتاريخ بالمعنى الوضعي؟ واليس كل قراءة تزامنية تحاول أن تعود الى الزمن الذي كتبت فيه النصوص هي قراءة اسقاطية تقع في هوة المغالطة التاريخية؟ وما السبيل الى تحرير الذات من هيمنة المعنى التراثي وسلطة نظام الخطاب ؟ وما معنى منهج لا تبرز فعاليته الا عندما يطاوع موضوعه ويتكيف مع المعطيات التي يعالجها؟ وكيف يكون النقد الابستيمولوجي هو مراقبة الفكر لنفسه وهو يشتغل بنوع من الموضوعية والتحري والدقة والصرامة؟

يعترف الجابري بأن" الاشكالية منظومة من العلاقات التي تنسجها داخل فكر معين مشاكل عديدة مترابطة لا تتوفر امكانية حلها منفردة ولا تقبل الحل من الناحية النظرية الا في اطار حل عام يشملها جميعا."[6]

لقد شَخَّصَ الجابري الفكر العربي عبر مراحل تشكله وفي حالته الراهنة فوجده يدعي التجديد والثورة والتقدم على مستوى الشعار ويعاني من التقليد والكبوات والانقطاع على مستوى الواقع ولذلك استبدل اشكالية النهضة بإشكالية تحديد طبيعة ما أنتجه هذا الفكر طوال التاريخ الذي يخصه وعوض تقديم أجوبة جديدة للأسئلة القديمة أو طرح اسئلة جديدة على فكر قديم اختار الانغماس في عين النواة الاشكالية لهذا الفكر والتحرك فوق مسطحه والمشي على تربته واثارة ما ظل طي الكتمان والتعبير عما لم يصرح به وظل مكبوتا وثاويا بحكم اللغة الآمرة ومنظومات القرابة والسلطة وحراس العقيدة.

هكذا لم يكن الأمر يتوقف على النجاح في طرح المشاكل الحقيقية التي يعاني منها هذا الفكر مثل التربية والديمقراطية والتنوير والحرية والانسانية بقدر ما يستلزم قيام العقل العربي بتفقد آليات انتاجه للمعرفة وتشريعه للقيمة واضفائه للمعنى ونقده لذاته ووزن التراث العربي بميزان المعقولية العربية ذاتها من الداخل ومن وجهة نظر موضوعية العلوم الانسانية والفلسفة المعاصرة.

لقد عبرت مداخلات ومقالات وأطروحات الجابري الأولى في حقبة السبعينات عن تبلور مشروع فكري جنيني ينطلق من الحاضر والمخاض السياسي والجدل الثقافي ويتجه نحو الماضي واشكالاته الفلسفية من أجل تسليط الضوء على مناطقه النيرة ومسارات العقلنة فيه والتحضير للمستقبل واستشراف الآتي.

" في هذا الكتاب ( نحن والتراث) كان سؤال الموقف من التراث بمثابة الاشكالية الموجهة للبحث والمحددة لكيفية استخلاص النتائج"[7] وكان انشغاله بالمتغيرات الجارية عاملا لكي يدخل في حوار مع مشروع الاسلام السياسي والفكر القومي الوحدوي والتقاليد التحررية والنهضوية والتيار اليساري.        ان تجديد الثقافة العربية لن يحدث الا بعد القيام بالنقد الابستيمولوجي وذلك بتغيير البنية الذهنية العربية واضفاء المعقولية على التراث بوضعه في سياقه التاريخي وترتيب قضاياه منطقيا وتصنيف مقولاته.

هكذا كانت " الاشكالية هي النظرية التي لم تتوفر امكانية صياغتها فهي توتر ونزوع نحو النظرية اي نحو الاستقرار الفكري"[8] وهكذا وجد الجابري صعوبة في صياغتها وفق ثنائية الفهم والمعقولية بالنسبة للتراث من جهة والتوظيف والاستثمار والصلوحية من جهة أخرى وقد بلورها في مرة أولى كما يلي: "كيف يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستعيد الجوانب العقلانية و( الليبرالية) في تراثه ويوظفها توظيفا جديدا في ...اتجاه محاربة الاقطاعية والغنوصية والتواكلية وتشييد مدينة العقل والعدل، مدينة العرب المحررة، الديمقراطية والاشتراكية"[9]؟، ولكنه بعد ذلك ما لبث أن أعاد النظر فيها ودعا الى اسقاطها واستبدالها بإشكالية دقيقة هي "تدشين عصر تدوين عربي جديد" تعرف الناس بما لم يكن شائعا لدى عموم المثقفين وتقدم للطبقة الناشئة مجالا للتحقيق والتدقيق والبحث والتأمل والتنظير والتصنيف والخلق والاستشراف والتغيير في البني والأنظمة حسب اختلاف الأطر والأزمنة وتنوع الممارسة والفعل.

" ان التفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تشكل احداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها، وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الاجتماعي والنظرة الى المستقبل، بل النظرة الى العالم ، الى الكون ، والانسان"[10]

بين اذن أن الجابري يجعل المحتوى المعرفي متأثرا وتابعا للموقف الايديولوجي وينظر الى الاشكاليات النظرية والقضايا العلمية بوصفها تعبير عن المشاكل الاجتماعية والصراع الطبقي حول المرجعيات.

" ان تغيير بنية العقل وتأسيس أخرى لا يتم الا بالممارسة، ممارسة العقلانية في شؤون الفكر والحياة وفي مقدمة ذلك كله ممارسة العقلانية النقدية على التراث الذي يحتفظ بتلك السلطات على شكل بنية لاشعورية"[11].

لكن هل هناك عقل مميز للعرب وعقول أخرى غير عربية  تميز الشعوب المغايرة؟ وهل كان الجابري يبحث عن الاستواء النظري للعقل أم التطابق مع الواقع؟ وألم يفكر في كيفية توطين الحداثة وتبيئة المفاهيم أكثر من تحديث التراث ودفع الثقافة العربية الى ابداع مفاهيمها بلغتها وضمن اشكالياتها؟ وهل حرص على بناء قواعد للعقل أم تحقيق جملة من التوازنات بين الملكات والتوفيق بين الوظائف؟

2- العقل العربي بين القبول والرفض:

" العقل العربي اذن من حيث نظامه الداخلي، وآليته الفاعلة، قياس فقهي وكشف صوفي، وبرهنة عقلية"[12]

هل هناك فكر عربي أم عقل عربي؟ وما الفرق بين العقل العربي والعقل الاسلامي؟ وهل هو عقل مكون أم متكون ؟ وهل هو في طور التكوين أم مازال لم يكتمل بعد؟ ولماذا لا نسميه العقل العربي الاسلامي؟ وهل تخلي عن وظيفته الكلامية المتمثلة في هدم المفاهيم والتصورات الوافدة ومارس الخلق والابداع؟

ينطلق الجابري من ايبستيميه باشلار ويحدده بأنه معظم المسلمات الضمنية التي تتحكم بمجمل ما ينتجه الفكر خلال فترة زمنية محددة وذلك بشكل مخفي، ويقوم بتبيئة هذا المفهوم ويطبقه على التراث العربي ويسميه نظام الفكر ويرى أن الثقافة العربية عرفت ثلاثة أنظمة معرفية هي البيان والعرفان والبرهان ويقصد بالنظام المعرفي في ثقافة ما ذلك الذي يعطي المعرفة في فترة تاريخية معينة بنيتها اللاشعوية.

ان النظام البرهاني هو نظام معرفي يبلور نمط في التفكير ورؤية للكون ومنهج خاص مستمد من الاستدلال الأرسطي ونظريته في القياس وكل "العمليات الذهنية التي تقرر صدق قضية بواسطة الاستنتاج". أما النظام البياني فهو نظام معرفي يبني تفكيره على أساس النحو والفقه والكلام والبلاغة ويجعل اللغة العربية هي المرجعية في وضع قوانين انتاج الخطاب وتفسيره عن طريق الوصل والفصل والظهور والوضوح والابانة والتبليغ والاقناع والاستدلال والتشبيه والقياس والتواصل والتجويز ويعتبر الأعرابي صانع الحضارة ومعلم العالم ويركز على مثلث النص والاجماع والاجتهاد في رؤية الكون.   في حين أن النظام العرفاني هو نظام معرفي يقوم على تجنيد الارادة ويعتمد الكشف والالهام والاشراق والعيان والحدس والقلب والبصيرة والوجدان والشعور والنفس كطريق للمعرفة بالأمور الدينية والأسرار اللدنية ويسافر في مقامات ويعيش أحوال على نحو أرقى من المعاني اللغوية والأقيسة العقلية.

والحق أن " ما يميز الجابري عمن تقدمه من الذين كتبوا عن العقل العربي هو قوة تأسيسه النظري أو الابستيمولوجي ... ورفعه اياه من مستوى اللفظ او المعنى الى مستوى المفهوم"[13]

لكن لماذا ظل ينظر الى النظام البياني باختزالية ويعتبر النظام العرفاني عقلا مستقيلا ولامعقولا دينيا؟

يتفادى الجابري دمج العلم في الدين والدين في العلم ويبتعد عن القول بعقل شفاهي وعقل كتابي مثلما فعل محمد أركون مع نقد العقل الاسلامي الذي دعا الى تحريره من السياج الدغمائي للمدونة النصية والتنظير للعقل الاستطلاعي والوعي المنبثق ، ولذلك نراه يميز باقتدار بين الفكر كأداة ونشاط ذهني ينتج المفاهيم ويضع المبادئ من خلال عملية البحث والتنظير وهذا هو العقل المكوِّنconstituante  والفكر كمحتوى ويقصد به العقل المكوَّنconstituée  الذي يفيد كل المبادئ والأسس المعتمدة خلال عملية الاستدلال.

العقل العربي عند محمد عابد الجابري يعني "جملة المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية الاسلامية للمنتمين اليها كأساس لاكتساب المعرفة وتفرضها عليهم كنظام معرفي أي كجملة من المفاهيم والاجراءات التي تعطي للمعرفة في فترة تاريخية ما بنيتها اللاشعورية."[14]

لكن ماهي مميزات العقل العربي وخصوصيته بالمقارنة مع العقل اليوناني والعقل الأوروبي الغربي؟

" يمكن أن نلمس من خلال الدلالات المختلفة لكلمة "عقل" والكلمات الأخرى التي في معناها ما يمكن ربطه بالنظام والتنظيم، ولكن حتي في هذه الحالة يظل الجانب القيمي حاضرا دوما. فالنظام والتنظيم في المجال التداولي للكلمات العربية المذكورة متجه دوما الى السلوك البشري لا الى الطبيعة وظواهرها".[15]

ان العقل يحدد بوصفه عقلا عربيا ليس فقط لكونه يتألف من مجموعة من التصورات والنظريات التي تعكس الواقع العربي أو "تعبر عنه بشكل من أشكال التعبير، بل أيضا لأنه نتيجة طريقة أو أسلوب في التفكير ساهمت في تشكيلها جملة معطيات منها الواقع العربي نفسه بكل مظاهر الخصوصية فيه"[16].

كلما توفر موضوع ما يتمتع باستقلالية معلومة بالضرورة وتميز عن غيره من المواضيع جاز القول بوجود منطق بحثي خاص به يوجهه ويتدبره ويفسر عناصره ويستخرج من ادراك العلاقات بينها مبادئ كلية وضرورية يسمى عقلا. واذا بحثنا في التراث العربي انطلاقا من الحقول المعرفية التي تمت مقاربتها وفق حركة ذهنية تفسيرية ونشاط ادراكي نافذ نجد أن هذه الحقول والأنشطة تتميز عن اللوغوس اليوناني.

اذا كان العقل اليوناني يقر بأن ايجاد أي عنصر جديد يتم عن طريق تركيب عناصر أخرى قديمة ويرى أن لكل أثر سبب فإن العقل العربي يؤمن ب"كن فيكون" وامكانية "خلق شيء من لاشيء" ورفع الأسباب وجوازها.

"هنا يطلب في الثقافة العربية من العقل أن يتأمل الطبيعة ليتوصل الى خالقها: الله. وهناك في الثقافة اليونانية- الأوروبية يتخذ العقل من الله وسيلة لفهم الطبيعة أو على الأقل ضامنا لصحة فهمه لها."[17]

من البديهي أن يرفض الجابري الأحكام المسبقة الاستشراقية التي تربط العرق بالعبقرية وتحط من منزلة الشرق بالمقارنة مع الغرب وأن يقوم بالتحليل العلمي للتجربة التفكرية العربية وينظر اليها بوصفها "عقل تشكل من خلال انتاجه لثقافة معينة وبواسطة هذه الثقافة نفسها: الثقافة العربية الاسلامية"[18].

ان توقيع الجابري عبارة العقل العربي كان حسب رأيه من منظور علمي وبعد تبنيه النظرة العلمية المعاصرة للعقل بعدما لاحظ غياب العقلانية في كيفية التعاطي مع التراث ولذلك نجده ينفي صفة الحقيقة المطلقة وينادي بفصله عن الدين ويقول بتاريخية هذا العقل ويعيب عليه التصاقه بالأحكام الأخلاقية.

لكنه يلاحظ وجود بطانة وجدانية ودلالة عاطفية للعقل وبداهة وارتجال وسرعة الفهم وردود أفعال آنية وعدم التردد في اصدار الأحكام وذلك بعد قيامه ببحث فيلولوجي معمق في لغة الضاد ويستنتج المعنى القيمي المرتبط بكلمة عقل بعد عملية مسح ومقارنة للآيات القرآنية. " ان العقل العربي تحكمه النظرة المعيارية الى الأشياء ونحن نقصد بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعا له ومرتكزا. وهذا في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها."[19]

ان آليات انتاج المعرفة والقواعد المؤطرة للثقافة العربية الاسلامية تختلف عن تلك التي يتأسس عليها العقل اليوناني  والعقل الأوروبي وخاصة وجود علاقة مباشرة بين العقل والطبيعة والثقة في قدرة العقل على فهم هذه العلاقة وادراك البعد الغامض منها واستنتاج رؤية وجودية ومعيارية من هذا الفهم. كما أن اللغة العربية تختلف عن اللغة اليونانية. فاذا كانت الأولى تنطلق من الاسم وتعتمد على التحميل لبناء القضايا المنطقية فإن الثانية تنطلق من الفعل وتشتغل على المصدر والاشتقاق والبيان والوصف والاستعارة.

ولكن الأمر الذي يجب بخاصة ألا يغفله هو " أن بنية العقل الذي ينتمي الى ثقافة ما تشكل لاشعوريا داخل هذه الثقافة ومن خلالها وتعمل بدورها وبكيفية لاشعورية كذلك على اعادة انتاج هذه الثقافة نفسها. ان العقل كجهاز معرفي ( فاعل وسائد) يتشكل وينتج في آن واحد وبكيفية لاشعورية".[20]

اللافت للنظر أن الأمراض التي عانى منها العقل العربي هي بنيته الماورائية وطبيعته الجوهرانية وتحوله لأداة للانتاج النظري وتجمده في بنية ثابتة وسقوطه في التعميم والمعيارية واللاتاريخية والانقطاع واللاتراكم والتعميم والحرص على وحدة الجماعة واستمرارية السلطة والخلط بين الرؤى والمنظورات وجعل الفلسفة الاغريقية عامة والمنطق الأرسطي تحديدا أصلا تتفرع عنه جميع القضايا والحدود والتعريفات.

" العقل العربي في نظر الجابري عقل فقهي، والتوتر بين القياس والعرفان والبرهان عبر تاريخ الثقافة الاسلامية، عرف كثيرا من أشكال الهدنة، ما أدى الى خلل معرفي بارز في بنية العقل العربي تجلى هذا الخلل في غياب التقدم وشكل العقل العربي في النهاية لحظة معرفية تكرارية."[21]

ان تخطي هذه المزالق يستوجب القيام بالنقد وذلك ليس من أجل النقد والهدم والتحطيم بل من أجل التطهير من العوائق والتحرر من الطبقات المتكلسة وفسح المجال للحياة واطلاق القوى الكامنة وتنشيط الملكات والمهارات والطاقات وذلك بكسر القوالب الجامدة والتشكيك في الاسس والخروج عن الأوليات القديمة واعادة تأصيل الأصول وربط الفاعلية الفكرية بالفاعلية الارادية التاريخية وتملك مفاتيح الحداثة.

لكن أكبر خطا وقع فيه الجابري هو تحويله النقد الابستيمولوجي الى حرب ايديولوجية مع الأعداء واراد تشغيل العقل المكوِّن بالقطيعة الثورية مع العقل المكوَّن وتركيزه على الثقافة العالمة وغض الطرف عن الخيال والرمز وعدم ربطه البعد النظري للفكر بالبعد العملي له وتجاهله للعقل التاريخي والوظيفة التوحيدية للعقل المكوَّن واشادته بالعقل الفقهي واعتبار منزلة الفقه في الحضارة العربية الاسلامية مماثلة لمنزلة الفلسفة في الحضارة الاغريقية والعلم والتقنية في الحضارة الأوروبية والغربية.

أما المأزق الآخر الذي وقع فيه الجابري هو وضعه جانب من التراث العربي الشرقي في خانة الغنوص واللاعلم واصدار حكم ايديولوجي مسبق حوله دون الاعتراف بوجود البيان والبرهان في دائرة العرفان كدرجتين في المعرفة والوجود تسبقهما وتوصل اليه ، علاوة على عدم ادراجه المجهود العلمي العربي في مستوى الطبيعة والرياضيات ضمن تكوين العقل العربي وبنيته بقوله:" لقد ظل العلم العربي، علم الخوارزمي والبيروني وابن الهيثم وابن النفيس وغيرهم خارج مسرح الحركة الثقافية العربية، فلم يشارك في تغذية العقل العربي ولا في تجديد تواليه وفحص قبلياته ومسبقاته"[22].

"كما فوت الجابري على نفسه فرصة قراءة وحدوية وجدلية معا للعقل العربي الاسلامي، فقد فوت على نفسه أيضا ولكن من منظور وظيفة العقل المكوِّن هذه المرة فرصة قراءة نقدية له. فالعقل المكوِّن عند لالاند هو عينه العقل المكوَّن عندما يتخذ من نفسه موقفا نقديا. فالعقل ...ليس له طابع ثابت ومطلق. وأيا ما تكن أوهام المنتمين اليه في حقبة تاريخية ما فإن عقل عصر ما ليس هو قط العقل المحض."[23]

لكن ألا يعاب على الجابري عدم ابقائه على حركية العقل العربي وعدم استفادته من القسمة الثنائية بين المكوَّن والمكوِّن وبقائه حبيس مقولاته وصراعاته؟ وألم تبقى عملية اخضاع هذا  العقل لنقد تاريخي وابستيمولوجي مشروعا غير مكتمل؟ وما سر ربطه العقل والعقلانية بإشكالية الاستقلالية التاريخية للذات العربية وحصولها على الحق والحرية والديمقراطية في اطار نجاعة الفعل العقلي في التاريخ؟ وهل دعا الى ضرورة تخلص السياسة من الآخلاق والفصل بين أحكام الواقع وأحكام القيمة؟ والى أي مدى يمكن اعتبار الجابري مفكرا ثوريا في السياسة؟ هل بقي اصلاحيا يا ترى؟

3- الضروري في السياسة والأخلاق :

" ان الوعي بضرورة الديمقراطية يجب أن يمر عبر الوعي بأصول الاستبداد ومرتكزاته"[24]

اللافت أن تركيز الباحثين والشهرة التي نالها الجابري يعود الى الاهتمام بمجهوده الابستيمولوجي والنظري وقد رافق ذلك تقليل من اهمية الشغل الذي قام به على الصعيد العملي وبالخصوص دوائر التاريخ والمجتمع والسياسة والأخلاق والتربية. كل هذه القطاعات لم تلقى من النقاد الالتفاتة المطلوبة وكان التعاطي معها سطحي ومتسرع ويقتصر على الشرح والتحليل تارة والعرض والاشهار طورا آخر.

من المعلوم أن الجابري حاول القطع مع المعايير والقيم والمعقولية التراثية وبذل جهودا في سبيل اعادة تأسيس مشروعية العلاقة بين الانسان والسلطة في الثقافة العربية وأنه تحيز للديمقراطية وحاول اعادة تعريف مفاهيم السياسة والملك والدولة والحكم والمدينة والسعادة والفضيلة والكرم والمروءة والخير.

" السياسة فعل اجتماعي يعبر عن علاقة بين طرفين يمارس احدهما على آخر نوعا من السلطة "[25] و" محددات العقل السياسي وتجلياته تخضع جميعا لمنطق داخلي يحكمها وينظم العلاقات بينها."[26] والغريب أن الجابري يمسح محددات العقل النظري العربي بجرة قلم ويتخلي عن مصطلح نقد ويعوضه بمصطلح مصلحة ويصدر قرار خطير حول أداتيته ويمر مباشرة الى العقل العملي في بعديه السياسي والأخلاقي دون تبرير بقوله:" العقل السياسي العربي اذن ليس بيانيا فقط ولا عرفانيا فقط ولا برهانيا وحسب، انه يوظف مقولات وآليات مختلف النظم المعرفية حسب الحاجة. السياسة تقوم على البرغماتية."[27]

خالف الجابري التصور المادي التاريخي الماركسي وأكد من منظور أنثربولوجي وبالاستفادة من أبحاث جورج لوكاتش على استقلالية بنيات السلوك لدي الجماعات عن التغيرات الطارئة في وسائل الانتاج وقوى الانتاج وقال بوجود لاشعور سياسي عربي تحدده ثلاثة خصائص هي القبيلة والعقيدة والغنيمة.

ودعا الى الاستقلالية الفكرية للذات العارفة العربية في وصفها العلمي لذاتها والتحرر" من سلطة مقولات الأيديولوجيات والعلوم الاجتماعية الخاصة بالمجتمعات الغربية الرأسمالية المتطورة ..هي الخطوة الأولى الضرورية التي بدونها لن نتمكن من رؤية واقعنا كما هو ، واقعنا في الماضي وواقعنا في الحاضر"[28].

تعني القبيلة القرابة وكل أشكال العصبية والانتماء وتمثل المركز والأساس الذي ينظم المجتمع والسياسة وذلك لانتاجها لطريقة معينة في الحكم السياسي والسلوك الاجتماعي يخضع لها الأفراد ويلاحظ ظهورها الشديد في المجتمعات الرعوية والزراعية كالمجتمعات العربية في مصطلح العشائرية أو الجهوية. هكذا تأسس اللاشعور السياسي عند العرب على الطائفية والتعصب العشائري وانتظار الزعيم المخلص.

أما الدور الذي تؤديه العقيدة فهو ابعد من مضمونها اللاهوتي والروحاني وترتبط عضويا بالفعل الاجتماعي والسياسي وتمتلك قدرة رهيبة على تحريك الأفراد والجماعات وتوجيههم نحو غايات ومصالح دون أخرى ولذلك يمثل القرآن والحديث والدعوة المحمدية قلب الرحى في المخيال السياسي العربي.

في حين أن الغنيمة هي التي تحدد للنشاط الاقتصادي في المجتمعات التي يمثل الخراج والعطاء و الريع أنماط الانتاج ومصدر الدخل واصل الثروة وتتحول الى عقلية ملازمة للسلوك الاجتماعي والسياسي وتجعل العامل الاقتصادي يتدخل في الموقف السياسي للفاعلين الاجتماعيين تجاه السلطة القائمة.

من هذا المنظور يميز في العقل السياسي العربي بين بنيتين الأولى: بنية عميقة وتحكمها ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة والثانية بنية سطحية وتحكمها ثنائية الخاصة والعامة ويرى أن فقه السياسة العربي سيظل محكوما بثلاث ضوابط هي ضرورة الامام ولزوم طاعته ودنيوية نظام الحكم بعد الخلافة الراشدة.

كما حرص على تحويل القبيلة الى اجتماع بشري مواطني والارتقاء بالغنيمة والريع الى مستوى الضريبة والاقتصاد الانتاجي وفهم العقيدة على أنها مجرد رأي وفتح باب الاجتهاد والقيام بالإصلاح الديني.

بيد أن " الكلام في العقل السياسي العربي لما يبدأ بعد وما هذا الكتاب الا محاولة أولى لتدشين نوع من القول فيه ضمن أنواع أخرى من الكلام مازالت ممكنة تنتظر من يفك العقال عنها والحصار"[29].

غني عن البيان أن الجابري يبشر بالديمقراطية والعقلانية كبديل عن العلمانية ويستخدم مفهوم الكتلة التاريخية لكي يشير به الى ضرورة تكتل مجموعة من القوى الاجتماعية المعارضة للنظام السياسي الحاكم وابرام تحالفات فيما بينها من أجل خدمة قضية واحدة وهي التغيير السياسي والتداول السلمي.

" من أجل هذا نادينا منذ الثمانينات من القرن الماضي بضرورة استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري الديمقراطية والعقلانية فهما اللذان يعبران تعبيرا مطابقا عن حاجات المجتمع العربي: الديمقراطية تعني حفظ الحقوق: حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، والعقلانية تعني الصدور في الممارسة السياسية والدينية عن العقل ومعاييره المنطقية والأخلاقية وليس عن الهوى والتعصب وتقلبات المزاج. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه لا الديمقراطية ولا العقلانية يعنيان بصورة من الصور اسستبعاد الدين."[30]

من هذا المنطلق ان زرع نبتة الديمقراطية وحقوق الانسان على الأرض العربية يجب أن يسبقه تحليلا علميا للمخيال الاجتماعي الذي تحدث عنه بيار اسنار وسبر مآثره وملحماته ورموزه المركزية وتجاربه الروحية والوجدانية والأيقونات الملهمة التي تحركه ويلزم أن يرافق ذلك معرفة علمية دقيقة باللاشعور السياسي العربي الذي استعاره الجابري من ريجيس ديبريه وأشار به الى أن الذهنية الطائفية والتعصب القبلي وليس الاعتقاد الديني أو الرأسمال الاقتصادي هما اللذان يحددان الفعل السياسي وشرعيته الأدائية.

على هذا النحو تدور الأشياء وتتضارب المصالح والأهواء في المجال السياسي فكيف سيكون الأمر في مجال الأخلاق والشيم ومبادئ الخير والفضيلة والسعادة؟ وهل تصلح الأخلاق ما افسدته السياسة؟

ان اهتمام الجابري بالعقل الأخلاقي العربي قد جاء رغبة في تكملة المشروع لا غير وتحت حاجة المكتبة العربية الى للبحث عن القيم الأخلاقية العربية والقيام بالتأريخ لها دون نقدها وغربلتها و دون فرز الجيد عن الرديء.

هنا يستدرك ما كان قد أضاعه في السياسة ويعود الى ثلاثية البيان والعرفان والبيان ويعلن أن العقل الأخلاقي العربي هو عقل جماعي لا عقل فردي ومتعدد في تكوينه ولكنه واحد في بنيته ولمنه يصمت على مصطلح النقد بقوله:" لا شيء يمنع كذلك من اعتماد التصنيف الذي عملنا به في العقل النظري، فنجعل الأخلاق في الحضارة العربية الاسلامية ثلاثة: أخلاق بيانية وأخلاق عرفانية وأخلاق برهانية"[31]. لكنه يعترف بتأثر العرب بالقيم والعادات والأعراف الوافدة من الثقافات والأمم الأخرى وخاصة الفرس والهنود واليونان ويبدو ذلك بجلاء في أخلاق القبيلة التي يدرجها ضمن الموروث العربي الخالص وفي أخلاق العقيدة التي يدرجها ضمن الموروث الاسلامي الخالص وأخلاق الخليفة التي يربطها بالموروث الفارسي وأخلاق الخاصة والعامة التي يرجعها الى الأخلاق الاغريقية.

يميز الجابري بين الطبع والخلق والسجية والدين والادب ويعترف بان "القرآن كتاب أخلاق والسيرة النبوية هي الأخلاق مطبقة"[32] ولكنه يبحث عن نظام القيم ومعايير السلوك ومحددات استشراف المطلق.

اذا كانت رذيلة العقل السياسي هي ابقائه على علاقة الراعي بالرعية وتفضيله وحدة الجماعة على الثورة من اجل الكرامة والحرية فإن عنف العقل الأخلاقي العربي هي تحويله فضيلة الطاعة الى واقع الخضوع.

من هذا المنطلق يدعو الجابري الى التخلص من أخلاق الطاعة القادمة من الموروث الفارسي والأخلاق المثالية المتعلقة بالسعادة الروحية القادمة من الموروث اليوناني وأخلاق الافناء الصوفية واستبدالها بأخلاق المروءة القادمة من الموروث العربي الخالص والعودة الى  الأخلاق الطبية والتركيز على الصحة والحياة والفضائل الواقعية ومن جهة مقابلة يثني على مصطلح الأدب والتقوى والعفة والنزاهة والصيانة والعفو والمسامحة والافضال والمؤازرة والمياسرة والمعايير العقلية في الحسن والقبيح ويدعو الى الأخلاق الاجتماعية وخاصة الآداب التي يجب أن يتحلى بها المرء مع نفسه ومع غيره.

"المروءة تنتمي الى هذا النوع من الأخلاق أعني الاجتماعية، فهي اذن سلوك اجتماعي محمود يقوم على مراعاة التقيد بما يستحسنه الناس وتجنب ما يستقبوحنه. وهذا يعني أن سلطة الجماعة هي المقررة في شأن المروءة وليس سلطة العقل وان كان بعض مقوماتها مما يرجع الى حكم العقل كالعفة والنزاهة".[33]

لكن لماذا يلم يختزل الجابري محددات العقل الأخلاقي العربي الى ثلاثة  هي الطاعة والتقوى والمروءة مثلما فعل في العقل النظري ( بيان وعرفان وبرهان) وفي العقل السياسي ( عقيدة وقبيلة وغنيمة)؟ وماهي العلاقة بين الثلاثيتين السياسية والأخلاقية؟ وهل كان جهده النقدي منصبا على تخليص السياسة من الدين وتخليص الأخلاق من السياسة؟ وماهي مخلفات ذلك على تصوره للتربية والتعليم؟

ألم يعلن طه عبد الرحمان عن دعوى التعارض الأصلي لنموذج الجابري التقويمي بقوله: "ان نموذج الجابري في تقويم التراث يقع في تعارضين اثنين: أحدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة التجزيئية والثاني التعارض بين الدعوة الى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر الى مضامين الخطاب التراثي في الآليات"[34]؟ وألم يكشفه أيضا عن دعوى القصور الآلي لنموذج الجابري التقويمي بقوله:" ان عدم وقوف الجابري على دقائق الآليات المنقولة التي استعملها في نموذجه التقويمي، أفضى به الى اتخاذ مسلك في تجزئة التراث يخل اخلالا بالمقتضيات التقنية والشروط الاجرائية لهذه الآليات"[35]؟

خاتمة:

" لا سبيل الى التجديد والتحديث ونحن هنا نتحدث عن العقل العربي الا من داخل التراث نفسه وبوسائله الخاصة وامكانياته الذاتية أولا"[36]

ما أحوجنا  اليوم الى ابن رشد عند الجابري و"الى روحه العلمية النقدية الاجتهادية واتساع أفقه المعرفي وانفتاحه على الحقيقة أينما تبدت له، وربطه بين العلم والفضيلة على مستوى الفكر ومستوى السلوك."[37]

لقد طبق الجابري نظريته في العقل العربي على رؤيته التاريخية للفلسفة العربية الاسلامية ورأى في الكندى فيلسوف العرب الأول وأول من أسس القول الفلسفي بلغة الضاد ومن لمح مناحي البرهان ودافع عن الحكمة بطريقة سجالية وفي الفارابي  الجامع الأول بين البيان والبرهان والمنطق والوجود وذلك بتجاوز الخطاب السجالي والخطاب العرفاني معا وبلوغ الخطاب الكوني والعلم اليقين والمدينة الفاضلة.

أما الشيخ الرئيس ابن سينا فقد أسس العرفان على البرهان وهو خير ممثل للازدهار الذي عرفته الثقافة العربية الاسلامية على المستوى الكمي في العلوم الطبيعية والطب وجعل السنوية تمثل دون منازع الصيغة البرهانية للفلسفة والكلام والتصوف خاصة في مرحلة الحكمة المشرقية ومنطق الشرقيين.

من جهة ثانية قام أبو حامد الغزالي حسب الجابري بتأسيس الفقه على المنطق في المستصفى وتوظيف المنطق في الحقل المعرفي البياني وتبيئته داخل علم الكلام وفي التصوف والعرفان وفصله عن الفلسفة.

ان القطيعة المعرفية التي قام بها ابن رشد ناتجة عن المنهج الظاهري الأكسيومي الذي اعتمده واعتبره منبثقا عن الثورة الثقافية التي قام بها كل من ابن حزم في المقاصد وبروز النزعة البرهانية في ظاهريته والشاطبي في الموافقات عند تجديده المنهج الأصولي وقطعه مع الشافعي وكل من ابن باجة في تدبير المتوحد وان طفيل في حي ابن يقظان وتحررهما من قيود السياسة والمواقف الايديولوجية وتوجها ابن خلدون بوضوح عندما أسس التاريخ على البرهان ورفعه من سرد الأخبار الى رتبة العلم.

بيد أن بن رشد هو "المدخل الضروري لكل تجديد في الثقافة العربية الاسلامية في داخلها، ولأنه أنموذج للمثقف العربي المطلوب اليوم وغدا، المثقف الذي يجمع بين استيعاب التراث وتمثل الفكر المعاصر والتشبع بالروح النقدية وبالفضيلة العلمية والخلقية."[38] اما المزية الكبرى للمشروع الرشدي أنه توقف عن توظيف الفلسفة في قضايا سياسية وقطع بين النظام البرهاني المشرقي والنظام البرهاني المغربي وآمن بالسببية وأعاد بناء المعقولية والشرعية في المعرفة ونصب العقل اماما على العلوم النقلية.

يجوز لنا الآن أن نعتبر الجابري ابن رشد العصر مع فارق في زمانية الوجود ودقة المنهج ومعاودة لنفس الاشكال وغائية المقصد، على هذا النحو" تمتلك أعمال محمد عابد الجابري حضورا قويا في المجال الثقافي المغربي والغربي، وهي أعمال تروم الدفاع عن الحداثة من مدخل نقد التراث ونقد آليات التفكير العربي والثقافة العربية المعاصرة، انها تتجه لنقد العقل العربي دفاعا عن مشروع في النهضة العربية موصول بالماضي دون أن يكون ماضويا، مروعا متطلعا لتمثل أصول وأسس المعاصرة دون أن يكون ناسخا ولا مقلدا ولا تابعا."[39] لكن أليس اعتصام ابن رشد بالمنطق الأرسطي من أجل التخلص من الأفلاطونية المحدثة هو عين الخطأ وقمة النسيان للتراث العربي؟ وأليس استعمال الاليات العقلانية المجردة واستعمال الآليات الفكرانية المسيسة هو استعمال محدود ونظرة تجزيئية تصديقا لما قاله طه عبد الرحمان:" وليس هذا التضارب في تصنيف القياسات الشرعية الا لضيق مقولات المنطق الأرسطي التصنيعية عن أداء الخصائص الاستدلالية للخطاب الشرعي ولكن تشبث ابن رشد بمعايير هذا المنطق الضيقة جره الى كلام خارج عن أحكام هذه المعايير نفسها، وكان الأولى به أن يبحث في هذه الآيات عن قيم منطقية جديدة يعتمدها في ترتيب الاستدلالات الشرعية بوصفها موجهة للخاصة والعامة."[40]؟

لقد كان الجابري على مرمى حجر من اكتشاف وثوقية العقل العربي واعتداده بنفسه وانغلاقه وعجز عن استثمار البعد البراغماتي ولم  يقدر على الارتقاء به من المستوى الأداتي وتحويله الى عقل تواصلي ومنفتح يعترف بوجود اللامعقول والمحايد عقليا وما يفوق العقل ويبلغ به درجة العقلانية المركبة التي لا تضع البرهان في تناقض مع العرفان والبيان وفاته أيضا أن " العقل ظاهرة تطورية لا تتقدم بصورة متصلة وخطية كما كانت تظن ذلك النزعة العقلانية القديمة بل ان العقل يتطور عبر طفرات واعادة تنظيم عميقة... ان عقلا منفتحا هو وحده الذي يمكنه ويتعين عليه أن يعترف بوجود اللامعقول( الصدف، مظاهر عدم الانتظام، النقائض، الثغرات المنطقية) ويمكنه ان يشتغل على ما ليس معقولا. وان العقل المنفتح ليس كبتا بل هو حوار مع اللامعقول"[41].

ألم يناقض الجابري نفسه عندما حصر التجديد في كنوز التراث وبمقوماته الذاتية واشتغل على المضامين دون النظر في الوسائل اللغوية والمنطقية التي أنشئت وبلغت بها هذه المضامين؟ لماذا استنجد بالمناهج الغربية اذن من أجل تحديث التراث واعادة بناء علومه والتمييز بين الايديولوجي والمعرفي فيه؟ ألا يمكن القول بأن العقلانية النقدية عند الجابري قد اصطدمت بتراثية أصولية ثاوية منعتها من التحقق والاكتمال؟ وماذا تبقى من مشروع الجابري غير الخلدونية التي لم تتخطى العصبية الى الدولة والبداوة الى الحضارة ولم تتخلص من عوائقها الابستيمولوجية وتناقضاتها بين الذاتي والموضوعي وبين المعقول واللامعقول وظلت واقع نعيشه ولا نتحدث عنه ونسكت عن عدم قدرتنا على انجاز علمها العمراني ومدينتها الانسية؟ وهل العقل العربي هو عقل مستقيل تاريخيا أم يعيش زمن الربيع الثوري تفكيكا ويحتاج الى اعادة ابتكار؟

ومتى ترى فلسفة اختلافية نقدية عربية معاصرة النور؟

المراجع:

Y. Habermas, le discours philosophique de la modernité, éditions T.F. Gallimard, 1988.

إدغار موران، تساؤلات الفكر المعاصر، دار الأمان،  الرباط، 1987.

محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة السادسة،1993.

محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991،

محمد عابد الجابري، ابن رشد: سيرة وفكر، دراسة ونصوص، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998.

محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة خامسة، 1991،

محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة رابعة، 1993.

محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الرابعة، 2000،

محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة، 2001،

محمد عابد الجابري، في نقد الحاجة الى الاصلاح، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة أولى، 2005،

كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب، قراءات في أعمال العروي والجابري، دار رؤية للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى،2008،

طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 2005.

جورج طرابيشي، نقد نقد العقل العربي، نظرية العقل، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 1999،

*كاتب فلسفي



[1] محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة السادسة، 1993.ص.ص.52-53.

[2] Y. Habermas, le discours philosophique de la modernité, éditions T.F. Gallimard, 1988.p.371.

[3] محمد عابد الجابري،، نحن والتراث، ص.33.

[4] محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، دراسات ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991،  ص.322.

[5] محمد عابد الجابري، نحن والتراث، ص. 9.

[6] محمد عابد الجابري، نحن والتراث، ص.27

[7] كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب، قراءات في أعمال العروي والجابري، دار رؤية للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى،2008، ص.88.

[8] محمد عابد الجابري، نحن والتراث، ص.27.

[9] محمد عابد الجابري، نحن والتراث،ص.53.

[10] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة خامسة، 1991، ص. 13.

[11] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة رابعة، 1993. ص.568.

[12] كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب، ص.97.

[13] جورج طرابيشي، نقد نقد العقل العربي، نظرية العقل، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 1999، ص. 12.

[14] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص، 555.

[15] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص.31.

[16] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص.12.

[17] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص.29.

[18] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص. 14.

[19] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص.20.

[20] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص.40.

[21] كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب، ص.101.

[22] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص347.

[23] جورج طرابيشي، نقد نقد العقل العربي، نظرية العقل، ص20.

[24] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الرابعة، 2000، ص.365.

[25] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص.7.

[26] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص.7.

[27] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص.3.

[28] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص.10.

[29] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي، ص.263.

[30] محمد عابد الجابري، في نقد الحاجة الى الاصلاح، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة أولى، 2005، ص.86.

[31] محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة، 2001، ص.21.

[32] محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، ص.61.

[33] محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، ص.530.

[34] طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 2005. ص.15.

[35] طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص.15.

[36] محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ص، 586.

[37] محمد عابد الجابري، ابن رشد: سيرة وفكر، دراسة ونصوص، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1998. ص.10.

[38] محمد عابد الجابري، ابن رشد: سيرة وفكر، دراسة ونصوص، ص.11.

[39] كمال عبد اللطيف، الفكر الفلسفي في المغرب، ص.86.

[40] طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص. ص. 230- 231

[41] إدغار موران، تساؤلات الفكر المعاصر، دار الأمان،  الرباط، 1987.